09 - 08 - 2026

نقد أدبي | رواية أطلس الخفاء لمنصورة عز الدين.. حيث يصيرُ الخفاءُ أكثرَ وضوحاً

نقد أدبي | رواية أطلس الخفاء لمنصورة عز الدين.. حيث يصيرُ الخفاءُ أكثرَ وضوحاً

 في الكثير من الثقافات المعاصرة يتوجع الأدباء من حاضرهم وواقعهم المعيش، ولا يتحملون الحياة بظروفها الراهنة، ويعود ذلك لأسباب كثيرة، أغلبها سياسي وبعضها اجتماعي وعائلي، فقد غادر نجيب محفوظ الواقع ليقاوم الاحتلال الإنجليزي بالحديث عن التاريخ الفرعوني القديم، وكان هذا في بداية القرن الماضي، وفي العام الماضي عاد عمار علي حسن للتاريخ المصري واستحضر خمسة قرون كاملة في روايته ملحمة المطاريد (الصادرة عن الدار المصرية اللبنانية عام 2025م)، وكثيرون يهربون من الحاضر، ويجدون في التاريخ ملاذاً آمناً لهذا الهروب، فالماضي له عبق وسحر، وغير متوتر كالحاضر المعيش، ويمكن القول بصفة قاطعة إن الماضي يشكل الجانب الرومانسي في حياة الإنسان المتوتر على كوكب الأرض.

وقد استطاعت الروائية منصورة عز الدين الابتعاد عن الحاضر المتوتر في رواية جبل الزمرد الصادرة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر عام 2014م، حيث استطاعت توظيف حكايات ألف ليلة وليلة في الرواية، وكذا في رواية بساتين البصرة الصادرة عن دار الشروق عام 2020م، حيث تستحضر العصر الأموي في نهايته في تلك الرواية من خلال استحضار شخصيات معروفة مثل الحسن البصري وواصل بن عطاء الله المعتزلي، ويزيد بن أبيه، وغيرهما وتماهيمها مع شخصية معاصرة هي هشام خطَّاب بطل الرواية.

  أما في روايتها الأخيرة أطلس الخفاء الصادرة عن دار الشروق عام 2022م، فإنها تغفل الهروب من الحاضر من خلال استدعاء الماضي، سواء الماضي الخيالي كحكايات ألف ليلة وليلة وجبل قاف، أو الماضي التراثي كخلافة بني أمية ومعاركها الفكرية والدينية، وفي الوقت نفسه لا يمكن للشخصية الرئيسة ومحور الرواية (مراد) موظف الأرشيف في جريدة كبيرة، والذي يسكن القاهرة وينحدر من قرية من قرى طنطا، والذي لم يوفق في علاقته العاطفية بوردة بسبب رفض أهله لها، والذي رفض الإنجاب مطلقاً، وظل زواجه عشر سنوات، ثم لما عجزت زوجته عن مقاومة نداء الأمومة طلقها، لتتزوج وتنجب، ويبقى أعزب ووحيداً طوال حياته، ويتشرنق حول نفسه ولا يدع أحداً يقترب منه ويخترق خصوصيته.

كل هذه الملامح للشخصية تبدو طبيعية في مجتمع يقتحم الإنسان، سواء على الصعيد الأمني أو الاجتماعي أو السياسي.

 أما الجديد في تلك الشخصية فهو هروبه وفراره من الواقع عبر الاشراقات الذاتية، هذه الاشراقات هي الملاذ الآمن لمراد للابتعاد عن الواقع، ويقوم بتسجيلها في دفتره، وهي بديل للأحلام التي تبني منصورة عز الدين رواياتها عليها، فالمتتبع للروايات الخمس الأولى سيجد أن الأحلام كثيرة في الروايات.

  تقول الكاتبة:" لم يعرف من أين يبدأ، فأغمض عينيه محاولاً استعادة استبصارات آفلة، ثم أمسك القلم الأخضر وبدأ في الكتابة، وقد عزم على أن يحكي تجلياته بضمير الغائب لا المتكلم؛ فمراد المُستبصر لا يشبه شخصه الضعيف الفاني، بل هو تجسد أرقى وأعلى وأعلم من ذاته. لكنه سرعان ما غيِّر رأيه، وقرر الكتابة بضمير المتكلم، فلا مسافة تُذكر بين حالين للشخص نفسه، واشراقاته ينبغي نسبها له وحده."(الرواية: صـ10)

  في هذه الفقرة تُعرِّفُنا الكاتبة على نمط شخصية الرواية الرئيسة، ورواية أطلس الخفاء هي رواية شخصية بتصنيف النقاد لها، وليست رواية أحداث، وقد جعلت الكاتبة تلك الاشراقات بديلاً عن الأحلام؛ لأن الأحلام لم تعد كافية للهروب من الواقع، فمراد يهرب من الواقع ويخشى الضوضاء بكافة صورها وأشكالها، وهذا الهروب هو رفضٌ للواقع. تقول الكاتبة عنه: "تركوا له هذا الجانب، وانشغلوا هم بطرق الأرشفة الأحدث، مكتفين بمداعبته بخصوص رفضه القاطع لشراء هاتف محمول، أو جهاز كمبيوتر، هو بالنسبة لهم يعيش خارج الزمن.

لطالما تندروا، وراء ظهره، بأنه من" أهل الكهف"(الرواية: صـ16)

وحين نطالع الاشراقات وهي قريبة من عشرين اشراقة نجد أغلبها حديثاً عن أماكن يمضي فيها مراد وقته ويستبصر معالم المكان وخاصة الأشجار، وتضع الكاتبة عناوين لتلك الاشراقات منها: "شارع واحد في أماكن عديدة- شجرة صمغ عند مفترق طرق - السير على كَسْر الزجاج - أشجار مانجو بثمار ملونة - بيت مغمور بالماء - امرأة على الطريق - نافورة مضيئة – أرض الحصاد، وغيرها الكثير، وهذه الاشراقات هي حيلة الكاتبة ووسيلتها للهروب من الواقع المعيش متخلية عن الأحلام طريقتها السردية الأثيرة، ورافضة عبر الاشراقات الانخراط في العالم الذي لم يخلُ يوماً من البؤس في نظر مراد، لذا فهو يهرب من الواقع إلى تلك التجليات، تقول الكاتبة:" سأل مراد نفسه، وهنأها على قرارها الحاسم بهجر عادته المكتسبة حديثاً حيث قال:" مَن فات قديمه تاه" وأخرج دفتره الرمادي الحبيب وبدأ في تدوين تجلياته."(الرواية: صـ 40)

وسواء كانت اشراقات أو تجليات فهي إعلان الهروب من الواقع والابتعاد عنه، بل هذه التجليات صارت هي وسيلته لاستكشاف العالم، تقول الكاتبة:" يضع يديه على أذنيه لمنع الضجيج، يفتح عينيه ويغمضهما من جديد، لا يعوِّل عليهما كثيراً. من قديم لا يعتمد عليهما للرؤية، خيالاته واشراقاته تكفيه وتغنيه."( الرواية: صـ 119)

  هذه الخيالات الكثيرة جعلته يحيا في حياة داخل الحياة، ومثَّلت رفضاً قاطعاً للحياة، لذلك فهي الظهور عينه حين حجب نفسه بالخفاء عن المجتمع، وهي وسيلة من الكاتبة لرفض الواقع المرير.

  يمكن اعتبار الرواية متوالية روائية لرواية بساتين البصرة، فمراد هو خال هشام خطَّاب في رواية بساتين البصرة، وكانت الكاتبة قد أشارت إليه فيها، لكنها لم تسلط الضوء عليه، وانشغلت هناك باستدعاء الماضي التراثي في العصر الأموي والحجاج الفكري والديني، وتماهي هشام خطاب مع بعض شخصيات هذا العصر، وفي رواية أطلس الخفاء ترفض الواقع كله، حتى أن وظيفة مراد وهي الأرشيف وظيفة مُختارة بعناية، فهو مكان مهمل في الجريدة، لا يختلط فيه بالناس كثيراً، وهو شاهد من موقعه الوظيفي على أهم الأحداث التي تسلط الجريدة الضوء عليها، وكأن هذا الموقع في الأرشيف هو التأريخ السري للحياة المعاصرة التي رفضها مراد.

  ومراد في الأخير شخصية لم تحقق ذاتها في الحب شاباً بسبب ضغط الأسرة، ورفض الإنجاب تأسياً بالشاعر أبي العلاء المعري، وخشية تكرار خيبات جديدة تُضاف للعالم المملوء بالأسى والخطايا.

   وشخصية مراد هي شخصية عامة تمتلئ بها الشوارع والمقاهي والبيوت، ومن خلالها ومن خلال الخفاء عن المجتمع كان رفض منصورة عز الدين للواقع المعيش، فهي لن تعود للتراث الخيالي أو التاريخ البعيد، بل ستبحث لشخصياتها عن هروب مختلف، يحفره التاريخ الأدبي باسمها، والرواية بسيطة وسهلة التناول ولغتها بعيدة عن لغة المعاجم ولا تتبسط للعامية الفصحى، وقاموسها اللغوي مُختار بعناية فائقة.

   وإن كانت الأحداث لا تشكل في الرواية أهمية، ولا التسلسل الزمني المعتاد؛ فذلك كله لأن الرواية هي رواية شخصية، كما درج النقاد قديماً على تصنيف الشخصيات، وشخصية مراد شخصية الرواية كلها، فلا يزاحمها أحدٌ غيره، ولا يستدعي هو أحداً إلا قليلاً، وغاية الكاتبة تلاقت مع غايات الكُتَّاب السابقين في الهروب من الواقع واستدعاء ماضٍ أكثر إشراقاً، فاختلفت عنهم في نوع الاستدعاء ولم تستدع الماضي، بل استدعت تجليات واشراقات وخيالات ذاتية للشخصية الرئيسة التي يمكن أن تكون كل من يعيش في العصر الراهن.
---------------------------------------------
بقلم: د. علاء الدين سعد جاويش